يعاني الاقتصاد المصري من صعوبات، لكن موقعه الاستراتيجي بات يمثل ميزةً قيّمةً في عصر التنافس على طرق التجارة والنفوذ. تُعزز بكين سيطرتها على البنية التحتية والروابط الأمنية، بينما تحافظ القاهرة على علاقاتها مع الولايات المتحدة. هذا هو حال الشرق الأوسط متعدد التحالفات.
قال موقع "واللاه" العبري، إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، وهي الأولى له في البلاد منذ عقد من الزمان لا تقتصر على الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بل تأتي في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط والنظام الدولي برمته إعادة هيكلة، مما يعني أن الزيارة تُشكّل لبنة أخرى في بناء جديد.
وأضاف: "لطالما اعتدنا على رؤية مصر كقوة عربية ضعيفة: اقتصاد يعاني من صعوبات، واعتماد على المساعدات الخارجية، وفجوة متزايدة بينها وبين دول الخليج الغنية".
لكنه أشار إلى أن "الجغرافيا لا تتأثر بالناتج المحلي الإجمالي. تقع مصر عند ملتقى طرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وأفريقيا والشرق الأوسط، وتضم قناة السويس، إحدى أهم شرايين التجارة في العالم. وعندما تتحول ممرات هرمز وباب المندب والممرات الملاحية الإقليمية إلى ساحات للمنافسة والتهديد، تبرز أهمية الموقع الجغرافي المصري من جديد".
وأوضح التقرير: "تُدرك الصين هذا الأمر جيدًا. كانت مصر من أوائل دول المنطقة التي انضمت إلى مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع صيني ضخم يهدف إلى ربط الصين بأسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا عبر الموانئ والسكك الحديدية والطرق والمناطق الصناعية والبنية التحتية".
وتشارك الشركات الصينية في مشروع الفضاء الاقتصادي لقناة السويس، والسكك الحديدية الكهربائية، وبناء العاصمة الإدارية الجديدة، فضلًا عن قطاعات الصناعة والطاقة. وبالنسبة لبكين، لا تُمثل مصر مجرد سوق تضم أكثر من 100 مليون نسمة، بل هي منصة وبوابة إلى أفريقيا والشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، بحسب التقرير.
ازدياد في عدد الجهات الداعمة
لكن الموقع قال إن القصة تصبح أكثر إثارة للاهتمام عند الانتقال من الجانب الاقتصادي إلى الجانب الاستراتيجي. إذ انضمت مصر إلى مجموعة البريكس، وهي إطار عمل للقوى الصاعدة بدأ بالبرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ثم توسع ليشمل دولًا أخرى تسعى إلى تعزيز مكانتها في نظام دولي لا يهيمن عليه الغرب وحده. وفي الوقت ذاته، شهدت العلاقات الأمنية بين القاهرة وبكين تطورًا ملحوظًا، بما في ذلك المناورات العسكرية المشتركة.
وفي سياق التساؤل: هل يعني هذا أن مصر ستغادر الولايات المتحدة وتنتقل إلى المعسكر الصيني؟، أجاب: "قطعًا لا"، مشيرًا إلى أن أحد أهم المفاهيم لفهم الشرق الأوسط الجديد: تعدد التحالفات، فبدلاً من العالم القديم، حيث كانت الدولة تختار معسكرًا واحدًا وتتحالف معه، ويعني تعدد التحالفات الحفاظ على علاقات متوازية مع مراكز قوى متعددة بهدف تقليل التبعية وزيادة هامش المناورة.
وفقًا للتقرير، فإنه "يمكن لمصر أن تتلقى مساعدات وأسلحة من الولايات المتحدة، وتحافظ على علاقات أمنية مع أوروبا، وتتحاور مع روسيا، وفي الوقت نفسه تعمّق علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع الصين. ليس الأمر تغييراً في الجهة الراعية، بل تعددًا في مصادر الدعم".
وأشار في هذا السياق إلى أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في المنطقة تتجه نحو هذا المسار أيضًا، ولا يعني هذا بالضرورة استبدال واشنطن ببكين، بل رفضها تسليم جميع ممتلكاتها لقوة واحدة، فيما وصفه بأنه تحول أعمق من مجرد صفقة أسلحة أو اتفاقية استثمار أخرى.
بالنسبة لشي جين بينج، قال التقرير إن مصر تندرج ضمن صورة أوسع. تسعى بكين إلى تقديم نفسها كقائدة "الجنوب العالمي"، قوة لا تأتي إلى الشرق الأوسط بمحاضرات عن الأنظمة السياسية، بل بالموانئ والسكك الحديدية والمصانع والاستثمارات والتجارة.
وأظهرت الصين بالفعل سعيها لتحويل قوتها الاقتصادية إلى رأس مال سياسي: فقد دخلت المنطقة الفاصلة بين السعودية وإيران، وتسعى إلى ترسيخ وجودها في القضية الفلسطينية، وتعزز حاليًا علاقاتها مع دولة تُعدّ لاعبًا رئيسًا في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر.
الدرس الإسرائيلي: تعلم اللعب على لوحات متعددة
وفيما يتعلق بإسرائيل، قال التقرير: "لا ينبغي لإسرائيل أن تتحمس لكل مناورة عسكرية مشتركة، أو زيارة دولة، أو صفقة أسلحة، ثم تعلن فورًا عن "محور جديد". ففي عالم متعدد التحالفات، لا تُعدّ العلاقة مع الصين بالضرورة تحالفاً ضد إسرائيل أو تخليًا عن الولايات المتحدة، ولكن لا ينبغي تجاهلها أيضًا".
وأضاف: "يجب إدخال ذلك في الحسابات: لمعرفة كيف تتراكم الروابط الاقتصادية والبنية التحتية والأسلحة والتدريبات العسكرية والنفوذ السياسي، وماذا تفعل بمرور الوقت بتوازن القوى وحرية العمل الإسرائيلية".
لذا، أكد أن مصر تستحق إعادة النظر فيها. قد يكون اقتصادها ضعيفًا، لكن موقعها ثابت. فهي تسيطر على قناة السويس، وتقع عند ملتقى قارتين وبحرين، وقريبة من غزة والبحر الأحمر وطرق الطاقة والتجارة. في عالمٍ تعود فيه الممرات لتصبح أداةً للقوة، تعود الجغرافيا لتصبح عملةً أساسية.
واعتبر أن زيارة شي جين بينج إلى القاهرة لا تُشير إلى استبدال أمريكا للصين، بل إلى ما هو أعمق: فالشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة تحكمها قوة واحدة، بل أصبح نظامًا تلعب فيه الدول نفسها على عدة جبهات في آن واحد. لا ينبغي لإسرائيل أن تقلق من هذا، لكن عليها بالتأكيد أن تتعلم كيف تلعب في هذا العالم.
https://news.walla.co.il/item/3866751

